فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الشنقيطي:

{ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى}.
بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه بعد إرسال نوح والرسول المذكور بعده أرسل رسله تترى: أي متواترين واحدًا بعد واحدًا، وكل متتابع تسميه العرب متواترًا، ومنه قول لبيد في معلقته:
يعلو طريقة متنها متواتر ** في ليلة كفر النجوم غمامها

يعني: مطرًا متتابعًا، أو غبار ريح متتابعًا، وتاء تترى مبدلة من الواو، وأنه كل ما أرسل رسولًا إلى أمة كذبوه فأهلكهم، وأتبع بعضهم بعضًا في الإهلاك المتسأصل بسبب تكذيب الرسل. وهذا المعنى المذكور في هذه الآية الكريمة: جاء موضحًا في آيات كثيرة. وقد بينت آية استثناء أمة واحدة من هذا الإهلاك المذكور.
أما الآيات الموضحة لما دلت عليه هذه الآية فهي كثيرة جدًا كقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [سبأ: 34] وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَاءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: 23] وقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأساء والضراء لَعَلَّهُمْ يَضَّرِّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة حتى عَفَوْاْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضراء والسراء فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} [الأعراف: 94- 95] الآية والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا.
أما الآية التي بينت استثناء أمة واحدة من هذه الأمم فهي قوله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا} [يونس: 98] الآية. وظاهر آية الصافات أنهم آمنوا إيمانًا حقًا، وأن الله عاملهم به معاملة المؤمنين، وذلك في قوله في يونس {وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ} [الصافات: 147- 148] لأن ظاهر إطلاق قوله: فآمنوا، يدل على ذلك. والعلم عند الله تعالى. ومن الأمم التي نص على أنه أهلكها وجعلها أحاديث سبأ، لأنه تعالى قال فيهم: {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} [سبأ: 19] الآية وقوله: {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} أي أخبارًا وقصصًا يسمر بها، ويتعجب منها، كما قال ابن دريد في مقصورته:
وإنما المرء حديث بعده ** فكن حديثًا حسنًا لمن وعى

وقرأ هذا الحرف ابن كثير، وأبو عمرو: تترا بالتنوين، وهي لغة كنانة، والباقون بألف التأنيث المقصورة من غير تنوين: وهي لغة أكثر العرب، وسهل ونافع وابن كثير وأبو عمر والهمزة الثانية من قوله: {جاء أمة} وقرأها الباقون بالتحقيق، كما هو معلوم وقوله: {فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} مصدر لا يظهر عامله، وقد بعد بعدًا بفتحتين، وبعدًا بضم فسكون: أي هلك فقوله: بعدا: أي هلاكا مستأصلًا، كما قال تعالى: {أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود: 95] قال الشاعر:
قل الغناء إذا لاقى الفتى تلفا ** قول الأحبة لا تبعد وقد بعدا

وقد قال سيبويه: إن بعدًا وسحقًا ودفرًا أي نتنا من المصادر المنصوبة بأفعال لا تظهر.
اه ومن هذا القبيل قولهم: سقيا ورعيا، كقول نابغة ذبيان:
نبئت نعما على الهجران عاتية ** سقيا ورعيا لذاك العاتب الزاري

والأحاديث في قوله: فجعلناهم أحاديث في مفرده وجهان معروفان.
أحدهما: أنه جمع حديث كما تقول: هذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، تريد بالأحاديث جمع حديث، وعلى هذا فهو من الجموع الجارية على غير القياس المشار لها بقول ابن مالك في الخلاصة:
وحائد عن القياس كل ما ** خالف في البابين حكمًا رسما

يعني بالبابين: التكسير والتصغير، كتكسير حديث على أحاديث وباطل على أباطيل، وكتصغير مغرب، على مغيربان، وعشية على عشيشية. وقال بعضهم: إنها اسم جمع للحديث.
الوجه الثاني: أن الأحاديث جمع أحدوثة التي هي مثل: أضحوكة، وألعوبة، وأعجوبة بضم الأول، وإسكان الثاني: وهي ما يتحدث به الناس تلهيًا، وتعجبًا ومنه بهذا المعنى قول توبة بن الحمير:
من الخفرات البيض ود جليسها ** إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها

وهذا الوجه أنسب هنا لجريان الجمع فيه على القياس، وجزم به الزمخشري. والعلم عند الله تعالى. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42)}.
القرون: الأمم، وهذا كقوله تعالى: {وقرونًا بين ذلك كثيرًا} [الفرقان: 38].
وهم الأمم الذين لم ترسل إليهم رسل وبقوا على اتباع شريعة نوح أو شريعة هود أو شريعة صالح، أو لم يؤمروا بشرع لأن الاقتصار على ذكر الأمم هنا دون ذكر الرسل ثم ذكر الرسل عقب هذا يومىء إلى أن هذه إما أمم لم تأتهم رسل لحكمة اقتضت تركهم على ذلك لأنهم لم يتأهلوا لقبول شرائع، أو لأنهم كانوا على شرائع سابقة.
وجملة {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} معترضة بين المتعاطفة.
وهي استئناف بياني لما يؤذن به قوله: {ثم أنشأنا من بعدهم قرونًا} من كثرتها ولا يؤذن به وصفهم بـ {آخرين} من جهل الناس بهم، ولما يؤذن به عطف جملة {ثم أرسلنا رسلنا تترى} [المؤمنون: 44] من انقراض هذه القرون بعد الأمة التي ذكرت قصتها آنفًا في قوله: {ثم أنشأنا من بعدهم قرونًا آخرين} دون أن تجيئهم رسل، فكان ذلك كله مما يثير سؤال سائل عن مدة تعميرهم ووقت انقراضهم.
فيجاب بالإجمال لأن لكل قرن منهم أجلا عيَّنه الله يبقى إلى مثله ثم ينقرض ويخلفه قرن آخر يأتي بعده، أو يعمَّر بعده قرن كان معاصرًا له، وأن ما عيّن لكل قرن لا يتقدمه ولا يتأخر عنه كقوله تعالى: {لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [يونس: 49].
والسبق: تجاوز السائر وتركه مُسائرَه خلفه، وعكسه التأخر. والمعنى واضح.
والسين والتاء في {يستأخرون} زائدتان للتأكيد مثل: استجاب. وضمير {يستأخرون} عائد إلى {أمة} باعتبار الناس.
{ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)}.
الرسل الذين جاءوا من بعدُ، أي من بعد هذه القرون منهم إبراهيم ولوط ويوسف وشعيب.
ومن أرسل قبل موسى، ورسل لم يقصصهم الله على رسوله.
والمقصود بيان اطراد سنة الله تعالى في استئصال المكذبين رسله المعاندين في آياته كما دل عليه قوله: {فأتبعنا بعضهم بعضًا}.
{وتترى} قرأه الجمهور بألف في آخره دون تنوين فهو مصدر على وزن فَعلى مثل دَعوى وسَلوى، وألفه للتأنيث مثل ذكرى، فهو ممنوع من الصرف.
وأصله: وترى بواو في أوله مشتقًا من الوتر وهو الفرد.
وظاهر كلام اللغويين أنه لا فعل له، أي فردًا فردًا، أي فردًا بعد فرد فهو نظير مثنى.
وأبدلت الواو تاء إبدالًا غير قياسي كما أبدلت في تجاه للجهة المواجهة وفي تَوْلَج لكناس الوحش وتراث للموروث، ولا يقال تترى إلا إذا كان بين الأشياء تعاقب مع فترات وتقطّع، ومنه التواتر وهو تتابع الأشياء وبينها فجوات، والوتيرة: الفترة عن العمل، وأما التعاقب بدون فترة فهو التدارك. يقال: جاءوا متداركين، أي متتابعين.
وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر منونًا وهي لغة كنانة، وهو على القراءتين منصوب على الحال من {رسلنا}. واعلم أن كلمة {تترى} كتبت في المصاحف كلها بصورة الألف في آخرها على صورة الألف الأصليَّة مع أنها في قراءة الجمهور ألف تأنيث مقصورة وشأن ألف التأنيث المقصورة أن تكتب بصورة الياء مثل تقوى ودعوى، فلعل كتَّاب المصاحف راعوا كلتا القراءتين فكتبوا الألف بصورتها الأصليَّة لصلوحيَّة نطق القارئ على كلتا القراءتين.
على أن أصل الألف أن تكتب بصورتها الأصليَّة، وأما كتابتها في صورة الياء حيث تكتب كذلك فهو إشارة إلى أصلها أو جواز إمالتها فخولف ذلك في هذه اللفظة لدفع اللبس.
ومعنى الآية: ثم بعد تلك القرون أرسلنا رسلًا، أي أرسلناهم إلى أمم أخرى، لأن إرسال الرسول يستلزم وجود أمة وقد صرح به في قوله: {كلما جاء أمة رسولُها كذبوه}.
والمعنى: كذبه جمهورهم وربما كذبه جميعهم.
وفي حديث ابن عباس عند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عرضت على الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد...» الحديث.
وإتباع بعضهم بعضًا إلحاقهم بهم في الهلاك بقرينة المقام وبقرينة قوله: {وجعلناهم أحاديث}، أي صيَّرناهم أحدوثات يتحدث الناس بما أصابهم. وإنما يتحدث الناس بالشيء الغريب النادر مثله.
والأحاديث هنا جمع أحدوثة، وهي اسم لما يتلهى الناس بالحديث عنه. ووزن الأفعولة يدل على ذلك مثل الأعجوبة والأسطورة. وهو كناية عن إبادتهم، فالمعنى: جعلناهم أحاديث بائدين غير مبصَرين.
والقول في {فبعدًا لقوم لا يؤمنون} مثل الكلام على {فبعدًا للقوم الظالمين} [المؤمنون: 41]؛ إلا أن الدعاء نيط هنا بوصف أنهم لا يؤمنون ليحصل من مجموع الدعوتين التنبيه على مذمة الكفر وعلى مذمة عدم الإيمان بالرسل تعريضًا بمشركي قريش، على أنه يشمل كل قوم لا يؤمنون برسل الله لأن النكرة في سياق الدعاء تعم كما في قول الحريري: يا أهل ذا المغنى وقيتم ضرا. اهـ.

.قال الشعراوي:

{ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42)}.
قبل عدة آيات قال الحق تبارك وتعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [المؤمنون: 31] فجاءتْ قرنًا بصيغة المفرد؛ لأن الحديث مقصور على عاد قوم هود، أما هنا فقال تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا} [المؤمنون: 42] لأن الكلام سيأتي عن أمم ورسالات مختلفة فة ومتعددة، فجاءت قرونًا بصيغة الجمع، متتابعة أو متعاصرة، كما تعاصر إبراهيم ولوط، وكما تعاصر موسى وشعيب عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.